الفن في العصور المتأخرة
تعرف الفترة الممتدة من الأسرة الحادية والعشرين وحتى الأسرة الثلاثين من العصور الفرعونية بالعصور المتأخرة وترجع هذه التسمية من حيث الزمن حيث إنها آخر العصور الفرعونية ذلك لما شهدته هذه العصور من انهيار وتدهور وغزوات أجنبية شملت الآشوريين والفرس وغيرهم تخللتها فترات ازدهرت فيها الحضارة حتى نهاية عصر الأسرات المصرية القديمة في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد.
- الفن خلال عصر الأسرة الحادية والعشرين (حكم الكهنة):
أخذت بوادر انهيار الأسرة العشرين في الظهور ابتداء من الفترة الأخيرة في حكم الملك رمسيس الثالث أحد عظماء ملوك مصر المحاربين والبنائين، وبانتهاء الأسرة العشرين فقدت مصر سلطانها على الممالك الآسيوية والإفريقية المجاورة في ظروف قاسية مزقت وحدة البلاد على أيدي أبنائها أنفسهم.. حيث كان ملوك تانيس يستعينون على قضاء مآربهم وتنفيذ أغراضهم بجنود مرتزقة أجانب مما سهل الأمر إلى تثبيت أقدام هؤلاء المرتزقة داخل البلاد بين صفوف الجنود المصريين وبين موظفي الإدارات العليا.. حتى تمكن أحدهم من اعتلاء عرش البلاد مؤسساً الأسرة الثانية والعشرين (مؤسس الأسرة الليبية) في مصر.
والأسرة الحادية والعشرون تعد امتداداً لحالة الانهيار والتدهور التي انتهت إليه الأسرة العشرون ومبشراً لوصول العنصر الأجنبي الليبي) إلى عرش البلاد ساد البلاد خلالها النزعة الدينية فاتسمت بالورع الشخصي والتمسك بالخرافات الشعبية والسحرية التي انعكست على الفن، وذلك لطبيعة الكهنة المصريين وانقسام الحكم بين حكام طيبة في الجنوب وبين حكام تانيس في الشمال، وآثار هذه الأسرة عرفت بآثار تانيس التي تم عرضها بالمتحف المصري بقاعة (تانيس)
كما انتشرت آثارهم بين أفنية المعابد الكبيرة والمقابر وفي المدن المختلفة وتانيس وفي سراديب الأسرات السابقة نتيجة لتدهور مكانة الفرعون (الملك) وزيادة نفوذ الكهنة وحكام الأقاليم كما قلت موارد الدولة وانتشر الفقر الذي ساد البلاد.
وقد راعي الفنان في هذا العمل الدقة في الرسم والتلوين وجاءت الألوان متباينة فعناصر الموضوع واضحة والتفاصيل دقيقة والتصميم كله جاء على أرضية بيضاء التي ساعدت على إظهار عناصر هذا الموضوع الذي جاء على نهج التصوير في الدولة الحديثة.
- سمات الفن خلال هذه الأسرة (حكم الكهنة):
- إختفاء العمائر والتماثيل الضخمة، نتيجة الفقر الذي ساد البلاد وسلب آثار الأسلاف.
- غلب على فنون هذه الأسرة التي تم العثور عليها الطابع السحري) وذلك الطبيعة الملوك والكهنة في هذه الأسرة، التي كانت برهانا على الورع الشخصي والتمسك بالخرافات والسحر.
- انتشار آثار هذه الأسرة بين أفنية المعابد والمقابر وفي السراديب وفي مدينة تانيس.
- ظهور الكثير من التماثيل المجيبة الصغيرة.
- اختفاء مشاهد النصر والبطولة.
- حكم الليبيين لمصر الأسرتين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين:
أصل الليبيين إنهم شعوب مهاجرة من أصول مهجنة من قبائل أهل الواحات والصحراء الغربية ( الثمحو - والثحنو) وفئات من شعوب البحر الأبيض الطارئة مثل: المشاوش والشراديه والأقوش والتورشا واللوكى والشركش والربو) الذين تسللوا عن طريق الصحراء الليبية للعمل كمرتزقة في الجيش المصري.
تمكن أحد قادة الطوائف الحربية المنتسب إلى الأصل الليبي في أواخر عصر الأسرة الحادية والعشرين من السيطرة على طيبة ونجح في تأسيس الأسرة الثانية والعشرين وهو الملك (شيشنق الأول واتخذ بعد ذلك مدينة (بوبسطه) عاصمة للحكم (الزقازيق حالياً )، وصار ملكاً لمصر العليا والسفلى، استعاد قوة مصر في عهده واستمرت مصر على قوتها حتى نهاية حكم اوسركون الثاني رابع ملوك هذه الأسرة، ثم عادت البلاد إلى ما كانت عليه خلال عصر الأسرة الحادية والعشرين منقسمة فيما بين حاكم الشمال وحاكم الجنوب، وظلت الأسرتان تحكمان مصر حتى استطاع الملك (تايف - نخت) والملك (باك - إن - رن - إف) من السيطرة على الحكم وتأسيس الأسرة الرابعة والعشرين، ثم انتقل الحكم بعد ذلك إلى الكوشيين.
- أسلوب الفن خلال العصر الليبي:
لم تكن لليبيين حضارة معينة يمكن أن يكون لها أثر في فنون هذا العصر لهذا جاءت فنونهم نماذج مكررة من فنون العصور السابقة أي أنها استعادت أساليب الفنون في عصور الأسرات السابقة وقد تعرضت الصروح المعمارية المنتسبة إلى هذا العصر للاندثار، كما تعرضت معها التماثيل الملكية الملحقة بها إلى التهشم والتلف وما تبقى منها بقايا مهشمة كذلك الأمر بالنسبة الأعمال النحت والتصوير الجداري اللذين اندثرا مع تلك الصروح المعمارية.
ومجموعة تماثيل الأفراد التي صنعت من الأحجار الصلبة لأبناء الملوك وكبار رجال الدولة تعد من أجمل أعمال النحت التي خلفها لنا العصر الليبي والتي غلب عليها الطابع المحلى والواقعي التي تميزت به مدرسة طيبة وفاق في صناعتها الفنان لأعمال النحت في عصر التحامسة - حيث اتسمت بجودة صناعتها ومعالجتها المتزنة ومن حيث التقنية الفنية هي أكثر دقة، فصارت أكثر رصانة.. كما أنها مهدت السبيل للكوشيين خلال عصر الأسرة الخامسة والعشرين لإثراء هذا الأسلوب الطيبي بالاستعانة بالفنانين المهرة المتمكنين في طيبة ذوي الخبرة في نحت وزخرفة التماثيل المصنوعة من أشد الأحجار صلابة.
- سمات الفن في العصر الليبي الأسرتين ۲۲، ۲۳:
1- الكثير من الأعمال المنتسبة إلى هذا العصر ربما كان بعضها مغتصبا من مقابر ومعابد الأسلاف الملوك السابقين لهذا العصر إضافة إلى إنها جاءت على أسلوب فنون الأسلاف السابقين.
2- اعتمد ملوك هذا العصر على استخدام حجارة المعابد والمقابر للملوك السابقين في بناء مقابرهم ومعابدهم نتيجة لحالة الفقر التي عمت البلاد) (مثل معبد اوسركون الثاني ) .
3- استخدام الأحجار البلورية في بناء بعض المقابر والمعابد جعل مهمة الفنان صعبة في تحقيق الرقة والجمال وانسيابية الخطوط في أعماله التي نفذها على أسطح هذه المعابد أو المقابر مما أدى إلى انحدار المستوى الفني فيها.
4- تحطم معابد ومقابر هذا العصر واندثارها أخفى الكثير من الأعمال الجدارية والتماثيل التي تحطمت معها.
5- اتسم الكثير من أعمال النحت بصغر حجمها. وإنتاج الكثير من تماثيل الكتلة والتماثيل المجيبة.
6- إن العودة إلى المثل الفنية والأساليب القديمة تمثل محاولة واعية لفنان هذا العصر عند إحيائه لهذه المثل القديمة في عصر كان أكثر تقدماً واختلافاً الذي أعاد صياغتها بما يلائم عصره.
7- مجموعة تماثيل الأفراد للأمراء وكبار رجال الدولة كانت أكثر دقة وجمالاً اتسمت بالرصانة - كما مهدت الطريق لازدهار الفن في العصر الكوشي الأسرة الخامسة والعشرين).
8- ازدهار صناعة التماثيل المعدنية الصغيرة من البرنز والذهب والفضة التي زخرفت أجسادها بمناظر ورموز آلهة، وبعض الزخارف الرمزية الأخرى والتي تمثل ثمرة تطور هذا النوع من التماثيل التي ظهرت خلال عصر الأسرة ١٨ في الدولة الحديثة.
- العصر الكوشي (حكم النوبة والسودان):
لا يمكن فصل تاريخ إحدى الأسرتين الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين عن تاريخ الأخرى.. ذلك لأنه عند غزو بيعنخى البلاد المصرية لم يكن يحكمها ملك واحد بعينه بل كانوا عدة ملوك وأمراء.
والأسرة الرابعة والعشرون كان مقر حكمها مدينة (سايس) وكان (بوخاريس) هو أشهر ملوك هذه الأسرة.. وتدل شواهد الأحوال على أنه من المؤكد تقريبا أن الأسرة السادسة والعشرين لم تكن إلا استمرارا للأسرة الرابعة والعشرين.. وأن الخسوف الوقتي الذي حدث في أمراء (سايس) بين هاتين الأسرتين يقابل احتلال (الكوشيين للبلاد خلال الأسرة الخامسة والعشرين.
وتعرضت مصر للغزو الأشورى خلال العصر الكوشى مرتين الأول في عهد الملك (تهرقا) الذي استطاع التصدي للملك الآشوري (إسرحدون) في غزوه المصر (٧٧٥ ق.م) والمرة الثانية (عام ٦٦٦ ق.م) تمكن فيها الملك الأشوري (آشور بانيبال من غزو مصر وهزيمة الملك (تهرقا) الذي توفى بعد ذلك في (نباتا) عاصمة الكوشيين.. ولكن الآشوريين لم يتمكنوا من فرض السيطرة الكاملة على مصر، لتعرضهم لثورات قوية داخل مصر في الشمال وفي بلاد الآشوريين أنفسهم مما جعلهم يتخلون عن مصر ويخرجون منها في عهد الملك المصري (أبسماتيك الأول).
أما آثار الآشوريين في مصر فلم تكن لهم أي اهتمامات فنية تذكر سوى بعض لوحات سجلوا عليها انتصاراتهم وغزواتهم على ملوك مصر، ومعظم هذه اللوحات في سوريا وبيروت وفلسطين.
- بلاد کوش:
هي بلاد النوبة الحالية والسودان.. وكانت علاقتها بمصر وثيقة الصلة منذ عصور ما قبل التاريخ لهذا جاءت حضارتهم متجانسة مع حضارة مصر يدينون بالمعتقدات المصرية إلى جانب ما يحتفظون لأنفسهم من معتقدات حيث كانت مدينة (نباتا) عاصمة بلاد كوش مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمعبد الإله آمون.
وقد تم الكشف عن أربع أهرامات في جبانة الكورو) الكوشيه لأربعة ملوك من فراعنة الأسرة الخامسة والعشرين، وهم: (الملك بيعنخي)، (الملك شبكا) والملك شبتاكا) و (الملك تانو آمون).
فمصر كانت بمثابة الأم التي كانت تغذى بلاد كوش بمعارفها وثقافتها وفنونها وصناعاتها، ويمكن القول بأن العهد الكوشي في مصر كان بداية عهد جديد لأسرة فنية قوية بنهضة ترمى إلى إحياء التراث القديم المجيد، مهدت الطريق الملوك الأسرة السادسة والعشرين للنهوض بالبلاد إلى طريق المجد والأخذ بعناصر النهضة الجديدة التي وضع أساسها الكوشيون.
- الواقعية في العصر الكوشي:
تطور مدرسة طيبة كان الاهتمام بالموضوعات المتعلقة بالعقيدة وعالم الآخرة وتمسكهم بالتقاليد الفنية القديمة لهذا جاءت فنونهم تفصح عن وعى وتفهم للنماذج القديمة خاصة آثار الدولة الوسطى التي كانت متوفرة في طيبة.
وفن النحت هو الأثر الوحيد الباقي من عهدهم حيث خربت كل المباني التي شيدوها وسيطر على الفن أسلوبان:
- الأسلوب الأول: هو استمرار النمط الرسمي الرصين الذي ظهر في تماثيل الكتلة.
- الأسلوب الثاني: ظهور تماثيل تمتاز بالحيوية والطابع الواقعي الذي يميز العنصر الأسود الكوشي.
ومعظم موضوعات الفن كانت مقتبسات جاءت بعد دراسات مستفيضة لاختيار ما يناسب أذواق الكوشيين.. ومعتقداتهم نفذها الفنان عن وعى وتفهم العصره وإن كانوا متأثرين بأساليب الفن في الدولة القديمة والدولة الوسطى.
- سمات الفن خلال العصر الكوشي:
1- استعانة ملوك هذا العصر بفناني طيبة ذوى الخبرة والمهارة في نحت الأحجار الصلبة.
2- ظهور نوعين من التماثيل:
- النوع الأول: من هذه التماثيل بعد استمراراً للنمط الرسمي الرصين الذي عرف بتماثيل الكتلة.
- النوع الثاني: هو نوع جديد من التماثيل الملكية تميز بالحيوية والقوة ذات السمات الكوشيه والخصر النحيل والكتف العريض.
3- كل الشواهد المادية الفنية لهذا العصر كانت في مجال النحت الذي استعاد من خلالها تراث الدولة القديمة والوسطى. والذي نفذها الفنان عن وعي وخبرة راعى فيها إجراء بعض التعديلات والتحسينات التي توائم ملوك العصر الكوشي وطبيعتهم.
4- تميزت تماثيل الأفراد بالواقعية الشديدة وبالسمات الكوشية السابق ذكرها (حليقي الرأس دون تجميل أو تحسين صورهم، فجاءت تماثيل الملوك والأفراد تحاكي أصحابها وتمثل واقعهم الحقيقي، فكانت مرحلة متطورة ومتقدمة لمدرسة طيبة في هذا العصر.
5- ظهور تماثيل للأميرات الزوجات الإلهيات لآمون في هيئة الملكة المتوجة بتاج الصل المزدوج الذي يمثل سمة تيجان هذا العصر والمفضل لدى الكوشيين وكان ظهور الزوجة الإلهية هنا بالتاج الملكي ربما كان ذلك لارتفاع مكانتها إلى مرتبة الملكة في هذا العصر)
6- كان لظهور الخط الديموطيقى الذي عرف بالخط الشعبي لدى المصريين خلال هذا العصر. والذي يدل على انتشار التعليم بين طبقات الشعب وارتفاع مستوى الثقافة بينهم والذي انعكس بدوره على الفن والفنانين الذين صاغوا الفن الكوشي عن وعى وفهم وخبرة ومهارة.
- الفن خلال عصر الأسرة السادسة والعشرين (العصر الصاوي):
كانت بداية هذه الأسرة بداية عصر جديد اشتهر بعصر النهضة، وكان (بسماتيك (الأول) مؤسس هذه الأسرة الذي استمر في الحكم نحو ٥٤ عاماً استعاد خلالها وحدة البلاد واستقرارها بعد تحريرها من الآشوريين الذين دخلوها في أواخر عصر الأسرة الخامسة والعشرين، ويرجع أصل هذه الأسرة إلى سلالة ملوك وأمراء الأسرة الرابعة والعشرين الذين كانوا معاصرين للأسرة الخامسة والعشرين وكان مقر حكمهم في مدينة (سايس) في الشمال.. وهي مدينة (صا الحجر) حالياً بالقرب من رشيد غرب الدلتا التي عرفت في النصوص المصرية القديمة باسم مدينة (ساو) وعرفت أيام الإغريق باسم مدينة (سایس).
- أسلوب الفن خلال العصر الصاوي:
حينما شعر الملوك المصريون خلال العصور المتأخرة بالأخطار الوافدة من الغزوات الأجنبية على البلاد من شعوب آسيا وشعوب البحر المتوسط.. وشعوب هؤلاء الملوك بالتهديد وزعزعة ملكهم زاد حنينهم إلى الماضي. فكان الارتداد للماضي والاهتمام بتراث الأجداد بمثابة إعادة الثقة والطمأنينة إلى أنفسهم.
لهذا نلاحظ أن الفن خلال هذا العصر قد سار في اتجاهين:
الاتجاه الأول: سار فيه الفنان الصاوي على نهج أسلوب مدرسة منف (المثالي) في الدولة القديمة).
الاتجاه الثاني: نرى الفنان الصاوي قد سار على نهج مدرسة طيبة الواقعية. والتماثيل الملكية لهذا العصر قليلة ونادرة وما عثر عليه منها وجد محطماً حتى النقوش الهيروغليفية التي دونت عليها طمس الكثير من نصوصها.
وقد وجدت عدة مقابر أخرى متجاورة لهذه المقبرة ترجع إلى عصر أحمس الثاني، ومناظر هذه المقبرة رسمت على ملاط ملون وموضوعاتها ذات صبغة دينية في معظمها التي أخذت نوعاً من الطقوس الدينية اختلفت في بعض مظاهرها من الناحية العقائدية وكذلك من ناحية ملابس هؤلاء النسوة اللائي مثلن فيها بملابس غير مصرية ويغلب الظن أنها من طراز إغريقي.
حيث نرى التأثيرات الأجنبية واضحة في تصميماتها ، وذلك راجع إلى مدى العلاقة الوثيقة بين المصريين والإغريق خلال عصر هذه الأسرة والتي انعكست على طباع وسلوك بعض المصريين والأجانب وبدى تأثيرها واضحاً في الفن مثلما نرى في هذا الجزء المنقول من مقبرة يرجع تاريخها إلى الأسرة السادسة والعشرين (عهد أحمس (الثاني) وهذا التغيير الطارئ على ملابس السيدات وبعض مظاهر الطقوس الدينية النادرة مثل صب الماء أو سائل ما على القرابين يعد من التجديدات التي عكست تطور الفكر العقائدي والثقافة الأجنبية في بعض مقابر الأفراد (ربما كانوا من أصل أجنبي.
- عصر الأسرات الأخيرة من الأسرة السابعة والعشرين حتى الأسرة الثلاثين:
انحسرت هذه الفترة بين عصرين فارسيين هما:
1- عصر الأسرة السابعة والعشرين عصر الأسرة الفارسية الأولى.
2- عصر فارسي آخر في نهاية الأسرة الثلاثين أطلق عليه بعض المؤرخين (عصر الأسرة الحادية والثلاثين أو عصر الأسرة الفارسية الثانية تخلل العصرين الفارسيين عصر الاستقلال للأسرة الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين والثلاثين. (دام) منذ عام ٤٠٤ ق. م حتى ٣٤٣ ق. م) تقريباً أي ما يقرب من ستة عقود.
- عصر الأسرة السابعة والعشرين:
اتسمت هذه الفترة بتفوق قوتين متصارعتين على سيادة العالم هما الفرس واليونان. وكانت مصر مطمعا لكل منهما، لهذا تحين الفرس الفرصة لغزو مصر حتى تمكن قمبيز الملك الفارسي من غزو مصر والسيطرة عليها وتأسيس الأسرة السابعة والعشرين الفارسية الذين حكموا مصر بولاة خاضعين لهم.
- أصل الفرس:
يرجع أصل الفارسيين إلى إحدى القبائل التي سكنت إقليم فارس بإحدى أقاليم أو مدن إيران الحالية) ويعد قورش هو المؤسس الحقيقي الدولة فارس التي يسميها الفرس الهخامنشيه) ويسميها اليونانيون باسم (الأكمينيه) أو الإخمينيه - التي بدأ ظهورها منذ منتصف القرن السادس ق. م الذي يقابل العصور المتأخرة في مصر.
- الفن خلال عصر الأسرة السابعة والعشرين (الأسرة الفارسية):
يرجع تاريخ دخول الفرس مصر وتأسيس الأسرة الفارسية بها إلى بداية القرن الخامس ق. م أى أن هذه الدولة كانت وليدة في تكوينها الحضاري بالنسبة للحضارات المجاورة لها وبالنسبة لمصر بصفة خاصة.
وهذا يعنى أنه لم يكن لهذه الدولة حضارة فارسية الأصل، ويقول (ول ديورنت) في كتابه قصة الحضارة ج ٢ ص ٤٥١ - ٤٥٣ " لم يكن لفن التصوير والنحت في السوس عاصمة الفرس فنيون مستقلون بل كانوا تابعين لفن العمارة وكانت التماثيل من صنع فنانين من آشور - وبابل – واليونان، فعناصر الفن والعمارة الفارسية كلها مستعارة من خارج بلاد الفرس، وما ميزها عن غيرها هو اجتماع كل العناصر الفنية الوافدة إليها بعد معالجتها وتعديلها بما يوائم أذواق الفارسيين أنفسهم ومعتقداتهم ".
فالفن الفارسي تأثر تأثيراً كبيراً بالفنون التي انتجتها بلاد النهرين بحيث يمكن اعتبار الفنون الإيرانية الإخمينية (الفارسية) امتدادا للفنون العراقية.
حيث استخدم الإيرانيون تماثيل الحيوانات ذات الرؤوس المستقلة والجانب المنحوت منها من النوع المعروف في أشور، كما يعتبر إفريز رماة النبل الذي عثر عليه في قصر دارا في مدينة سوسا، وإفريز السباع من الأمثلة الواضحة لتأثير الفن العراقي من حيث الأسلوب والصناعة والزخارف والألوان.
وملوك الفرس حكموا مصر بصفتهم فراعنة اختاروا ولاتهم ومعاونيهم على درجة عالية من الكفاءة لإحكام زمام الأمور في أيديهم، وسار على نهجهم خلفاؤهم الإغريقيون والرومان حيث مهد الفرس الطريق لهم لدخول مصر.
وآثار الفرس على أرض مصر لم تكن لها تأثير يذكر على أساليب الفن في مصر القديمة سوى ظهور الزي الفارسي الرداء الطويل ذو الأكمام في بعض تماثيل الأفراد كما عثر على بعض الأواني من الحجر الأرجواني الكلسي والكثير من اللوحات الحجرية التي دون عليها قصة انتصارهم وقهرهم للملوك المصريين. وقد استخدم الخط المسماري والخط الهيروغليفي على هذه اللوحات حتى تكون رسالة وجهة للمصريين والفرس في الوقت نفسه اعتزازاً بهذا الانتصار اما الآثار الفنية الأخرى التي عثر عليها قليلة ومحطمة.
وقد حرص المصريون في عهدهم على تمسكهم بأساليب الفن القديمة وبالفكر والعقيدة المصرية واتسم الفن في هذا العهد بظهور تأثيرات الفن الصاوي، كما ثاروا على كل غريب وافد بقيادة الأمراء المحليين الذين اعتبروا أنفسهم الملوك الحقيقيين للبلاد.
ومن الملاحظ أن الأسلوب الواقعي لمدرسة طيبة خلال العصر الكوشي والعصر الصاوي قد حفظت للنحت مكانته العالية لوجود نخبة من الفنانين المهرة ذوي خبرة عالية في صناعة مثل هذه التماثيل من تلك الأحجار أو الصخور الصلبة.
- عصر الاستقلال الأسرات الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين والثلاثين:
في نهاية عصر الملك دارا الثاني الفارسي هزمت الفرس أمام الأثينيين فكانت فرصة لثورات المصريين المستمرة ضد الفرس القيام ثورة كبيرة استمرت عدة سنوات حتى تمكن المصريون (بزعامة) آمون حر الثاني الذي جمع شمل المصريين ضد الفرس حتى تكللت هذه الثورة بالنجاح وتحررت مصر من الغزو الفارسي، وبدأت مصر مرحلة جديدة مع بداية الأسرة الثامنة والعشرين التي ما لبثت أن انتهت بتولي الملك (نايف - عاو - رود (الأول) (نفريتس) الحكم مكوناً الأسرة التاسعة والعشرين تلاه ملكان، ثم تولى الحكم نقطائب الأول مؤسس الأسرة الثلاثين، ولم تسلم مصر من الخطر الخارجي خلال عصر هذه الأسر، ولكنها حافظت على استقلال البلاد حتى نهاية الأسرة الثلاثين عندما دخلها الفرس للمرة الثانية.
- الفن خلال عصر الاستقلال الأسرات الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين والثلاثين:
عكست فنون هذا العصر آمال ومخاوف الملوك والكهنة رغم محاولات الفنانين الجادة في إحداث بعض التطورات في الفن، وقد تم العثور على مجموعة رئوس تماثيل مصنوعة من الأحجار الصلبة انتقلت إلى المتحف المصري بالقاهرة وبعض المتاحف الأوروبية ومتحف برلين، اختلف الباحثون في نسبتها وتوقيتها بين عصر الأسرات الأربعة الأخيرة، كما تم العثور على بعض التماثيل التي تحمل علامات المسئولية وأعباء الحياة وآثار الكفاح المستمر.. من خلال ظهور تجاعيد الجباه وتقطيبها كما عثر على عدد من التوابيت الحجرية الصلبة على هيئات بشرية زينت جدرانه الداخلية والخارجية بنصوص كتب الموتى ومناظر الحياة الآخرة.
وأسلوب الفن خلال هذا العصر استعاد تراث الأجداد وأسلوب مدرسة طيبة خلال العصر الكوشى والصاوي كما تسربت إليه بعض تأثيرات الفن الفارسي من خلال الملابس الفارسية وبعض أشكال الآلهة الوافدة التي سمح بدخولها المصريون من قبل، والوافدة مع الفارسيين عند دخولهم مصر.
- دخول الفرس للمرة الثانية:
حينما تمكن الفرس من غزو مصر عام ٣٤١ ق. م تقريباً وانتهاء عصر الأسرة الثلاثين التي انتهى معها التاريخ المصري القديم أو العصر الفرعوني، حيث تكونت أسرة فارسية جديدة أطلق عليها بعض المؤرخين الأسرة الحادية والثلاثين الفارسية - استمر الحكم فيها نحو عشر سنوات - نهبت خلالها كنوز المعابد وبيوت المصريين كما نقل الكثير من التماثيل المصرية الثمينة إلى فارس ودمرت وأحرقت أسوار مدن كثيرة فأثار ذلك غضب المصريين وكهنة المعابد وقامت الثورات في كل مكان في مصر.. حتى تمكن الإسكندر الأكبر من القضاء على الفرس والسيطرة على بلاد الشرق ثم دخول مصر عام ۳۳۲ ق. ورغم تعرض مصر أثناء الاحتلال الفارسي لسلب ونهب ثروات البلاد وآثارها وتدمير الكثير من المدن وإحراقها فإننا نجد بعض الآثار الفنية التي تنتسب إلى هذا العصر الأسرة الفارسية الثانية الأسرة الحادية والثلاثين منها مثلاً.
في النهاية:
كان الغزو الفارسي الثاني لمصر يمثل نهاية لحكم الأسرات المصرية وبداية العصر التدخلات الأجنبية والحكم الأجنبي لمصر، وحينما رأى المصريون أن الآثينيين سيكونون عوناً لهم على الفرس، وكان في اعتقادهم أن في ذلك وسيلة لتحرير البلاد من الفرس، ولكنهم أدركوا بعد ذلك أنها كانت تغيير احتلال باحتلال آخر، فقد دخل الآثينيون مصر واستقروا بها بعد طردهم للفرس من البلاد، وطرأ على الفن بعض تغييرات عكست روح العصر الذي نشأ فيه مثل:
- إدخال بعض العناصر الإغريقية في الفن والعمارة التي أنشأها الإغريق.
- ابتكار أسلوب فني جديد عرف بأسلوب (المزاوجة أو الازدواجية في التماثيل الإغريقية الجديدة، وذلك بإدماج رئوس وأشكال إغريقية على أجسام آدمية، حسب التقاليد المصرية القديمة، ولكنها كانت غير موائمة للأسلوب المصري في النحت فجاءت الازدواجية بأسلوب فني غير متجانس اختفى منه تأثير الفكر والعقيدة المصرية وحل محلها التفكير والثقافة الإغريقية ورغم كل هذه المتغيرات ظل عطاء الفن والفكر والعقيدة المصرية مستمراً حتى العصر القبطي في مصر كما امتد تأثير الحضارة المصرية إلى مختلف الحضارات الأخرى، حتى أصبحت المنهل الخصب لكل التراث الثقافي للجنس البشري، لأن ما قامت به مصر وما قدمته من أعمال فريدة في فجر التاريخ لا تزال آثارها وذكرياتها مخلدة عند كل أمة وفي كل جيل بفضل تماسكها ووحدتها وتنوع منتجاتها الفنية تنوعاً أساسه الدقة في التنسيق والتنظيم، فالفنون المصرية اختلفت عن غيرها في الكثير من النواحي منها:
- إن التغييرات التي طرأت على الفن خلال العصور الفرعونية في جميع مراحل تطورها جاءت في العرض الفني وليس في الجوهر أو مضمونه.
- إن كل مرحلة من مراحل تطورها كان لها نمطها الخاص بها والذي يوائم عصرها.
- كما كان الأسلوب الفني بمثابة الإطار الجامع لها يضم وحدات تتفق في عموميتها وإن اختلفت في خصوصيتها فجاءت الفنون المصرية مفعمة بروحانية الفكر والعقيدة المصرية وبشمسها الساطعة التي حركت وجدان الشعب وبتأثيرها المنبعث من التعبيرات الفنية التي يسمو بها طوال عصورها التاريخية والتي شكلت عناصرها ورموزها عوامل البقاء والخلود، لأن الفنان المصري عرف كيف يخلد الفكر ويرسخ العقيدة في نفوس المصريين بمثاليات جمالية حسب قواعد وأحكام ثابتة نابعة من الفكر والعقيدة منذ عصور ما قبل التاريخ حتى نهاية العصور الفرعونية.
End of Topic
(إيجاد)
(اطّلِع، تعرف، تعلم، درب عقلك، طور من نفسك، زِد معرفتك، كُن على معرفة، فالمعرفة بين يديك)

أهلاً ومرحباً بكم في | إيجاد | تسعدنا آرائكم ومشاركتكم معنا دائماً، فتشاركونا بآرائكم وتعليقاتكم التي تدفعنا إلى مزيداً من العطاء وإيجاد المعرفة